الشيخة خربوعة .. أيقونة “العيطة الزعرية” ترحل في صمت وإباء

هسبريس ــ بعد صراع طويل مع المرض رحلت أيقونة فن العيطة الزعرية زهرة الحامدي، المعروفة بلقب “خربوعة”، إلى دار البقاء، عن سن تناهز 80 عاماً، مخلفة ريبرتوارا فنيا غنيا.

رحيل مؤلم

“لماذا لم يسأل عنها أحد قبل الوفاة؟” بهذه الجملة علّق رائد فن العيطة حجيب، مُعاتباً رجال الإعلام والأسرة الفنية، وقال في اتصال هاتفي بهسبريس: “أنا مُتأسف لأنّ لبؤة العيطة رحلت دون أن تحظى بتكريم في المستوى يحتفي بتجربتها الفنية”.

وأضاف “خلال فترة مرضها أتيحت لي الفرصة لتكريمها بالمسرح الوطني محمد الخامس، وتواصلت مع الصحافي إدريس المريني لتكريمها في برنامج “نغمة وأتاي”، في الوقت الذي لم تحظ في حياتها بأي تكريم من طرف المسؤولين عن المشهد الثقافي، أو التفاتة من أبناء مدينة الرماني”.

وتابع الفنان حجيب قائلا: “الفنانة زهرة خربوعة امرأة عفيفة جداً، احتفظت بكرامتها وشموخها الفني، وكان لها الفضل في انتشار فن العيطة الزعرية، وبصمت بصوتها وحضورها مسيرة مليئة بالعطاء، إلى جانب محمد العواگ”.

مسيرة وتأريخ

من جهته، قال نسيم حداد، الباحث في فن العيطة، في تصريح للجريدة، إن “زهرة خربوعة، أو صوت زعير الناحب، اسم طبع الذاكرة الشعبية المغربية، ليصبح رمزاً من رموز قبائل زعير، رحلت في صمت بعد أن تحول نواح عيطها إلى أنين مرض لم ينفع معه علاج”.

وأضاف الباحث المغربي، في رصده للسيرة الذاتية للحاجة زهرة، أنّها “ولدت في ثلاثينيات القرن الماضي بقبيلة الكناديز، إحدى قبائل واد زم العربية، ثم انتقلت في سن مبكرة برفقة والدتها إلى منطقة زعير حيث كان اللقاء بالشيخ محمد العواگ، رفيق درب العيطة والشيخ الذي لازم الشيخة خربوعة وأسس برفقتها مدرسة متكاملة في فن العيطة الزعرية”.

وأوضح أنّ الشيخة خربوعة تعلمت أصول العيطة الزعرية على يد الشيخة مباركة، وأن الشيخ صالح كان من أوائل من رافقها بالعزف في بداياتها قبل الالتحاق بالشيخ محمد العواگ، مشيرا إلى أن العيطة قديما لا تستقيم إلا في حضرة قياد وباشاوات عصرهم، وأن القائد المكي الزعري كان له “الدور الكبير في الدفع بموهبة الشيخة خربوعة، خصوصا وقد سطع نجمها في سماء زعير وبرز صوتها القوي بين صهيل خيل مواسم المنطقة”.

و”اشتهرت خربوعة بأدائها لأم عيوط زعير وورديغة، وأخص بالذكر “جعيدان”، “البنية”، “وحيدة” و”حوز القصبة”، التي قلّ ترديدها اليوم نظرا لصعوبة نسقها اللحني وهيكلتها النصية”، يقول نسيم حداد، مؤكداً أن “طريقتها في أداء العيوط تعد مدرسة فريدة في تنوع الإيقاع “الثلثي” و”الرباعي” المركب لعيوط زعير، كما أن نحيب صوتها المندمج بترانيم كمان محمد العواگ سيبقى من دون شك شاهدا على تاريخ لم تسطره الأقلام في كتب التاريخ”.

وأضاف نسيم حداد أن خربوعة عرفت شهرة واسعة قل نظيرها بالمغرب، وأن صورها ملأت الأسطوانات وصدح صوتها في كل البيوت، “لكن المسيرة توقفت منذ سنوات لتعيش في غياهب النسيان كما هو حال أمثالها من شيوخ ومدارس العيطة المغربية”، يقول حداد، مشيرا إلى أنها أغنت الخزانة الموسيقية المغربية بأسطوانات خالدة تؤرخ لـ”عيوط” غابرة و”لبراول” وأغان وطنية تحريضية ضد المستعمر أدت إلى سجنها في خمسينيات القرن الماضي.

وختم الباحث المغربي حديثه لهسبريس بالقول: “ما أزال أذكر أول لقاء كان لي بالراحلة في مسرح محمد الخامس في ليلة تكريمها وقد أنهكها المرض، لكنه لم يأخذ شيء من أنفتها وشموخها المعروفة بهما. فإذا كانت عبدة تفتخر بخربوشة المرأة الشاعرة المناضلة، فيحق لزعير، بل للمغرب أن يفتخر بخربوعة كصوت ولسان حال حقبة زمنية شهدت نهضة التراث التقليدي والشعبي المغربي”.

أترك تعليقا

Close